قلم كبير الاثريين / المستشار الدكتور علاء بدير
في قلب مدينة أبيدوس بمحافظة سوهاج يقف “الأوزيريـون” شامخًا كأحد أكثر المعابد المصرية إثارة للجدل والدهشة. معبد لا يشبه أي أثر آخر في مصر أو العالم، سواء في تصميمه أو في تقنياته الهندسية أو في أسرار المياه التي تجري داخله طوال العام، مما يدفع الكثير من الباحثين إلى إعادة النظر في التاريخ التقليدي للحضارة المصرية القديمة.
هندسة تتحدى القوانين المعروفة
يشير الأثريون إلى أن الأوزيريـون يتميز بكتل حجرية هائلة الحجم والوزن، يصنفونها بأنها تضاهي حجم “عمارة من خمسة طوابق” ووزن “عشر ناطحات سحاب”. المعبد مشيّد فوق 12 عينًا من المياه الجوفية، ما يجعل ثباته الهندسي معجزة بحد ذاته في نظر المتخصصين، خاصة أنه مبني بطريقة تتحدى قوانين الطفو والضغط المائي.
ورغم الدراسات العديدة، ما يزال لغز الطريقة التي شُيّد بها الأوزيريـون غير محسوم علميًا حتى اليوم.
مياه متجددة… بدرجات حرارة ثابتة
واحدة من أكثر الظواهر التي حيّرت الباحثين هي وجود مياه تجري داخل قنوات المعبد على مدار العام بدرجة حرارة ثابتة تقريبًا، إذ تبلغ 16 درجة داخل الممرات الرئيسية، بينما ترتفع إلى 23 درجة داخل البحيرات الداخلية، صيفًا وشتاءً دون أي تغيّر يُذكر.
وقد سجّلت عدة مشاهدات من زوار وباحثين عن صفاء المياه وصلاحيتها للشرب، بل وارتبطت بقصص عن فوائد صحية، من أشهرها ما ذكره الباحث “جيمس” الذي أشار إلى تحسّن قوة إبصاره بعد شهر من تناول المياه الموجودة داخل المعبد، وفق روايته، وهو ما أرجعه الأطباء حينها –بحسب قوله– إلى تنشيط الدورة الدموية الدقيقة داخل العين.
تصميم غير مسبوق في العمارة المصرية القديمة
للوهلة الأولى يبدو تصميم الأوزيريـون أقرب إلى مخطط دائرة كهربائية أو لوحة تحكم معقّدة، لكنه في الحقيقة يعتمد على توزيع هندسي يُرجّح أنه مبني على مبادئ كهرومغناطيسية مرتبطة بحركة المياه داخل قنواته. هذه الفرضية دفعت البعض للحديث عن أن المعبد كان يعمل كمنشأة ذات وظيفة تقنية أو روحانية عالية الدقة، وربما استخدم في طقوس ذات طابع علمي أو فلكي.
كتب غامضة على الجدران… وعلوم قديمة مفقودة
يضم المعبد ثلاثة نصوص نادرة محفورة على جدرانه: كتاب الكهوف، كتاب البوابات، وكتاب رحلة الروح. وهي من أعقد النصوص الدينية والفلسفية في الحضارة المصرية القديمة، وتفسيراتها ما تزال موضع جدل.
فعلى الرغم من ظهور الرسومات على هيئة كائنات برؤوس حيوانات كالكلاب والأسود والقرود، إلا أن بعض الباحثين يقترحون أنها رموز لعلوم فلكية وطبية وهندسية متقدمة، وليست مجرد أساطير كما يعتقد البعض.
بين دندرة وأبيدوس… أسرار ما زالت تُكتشف
يُعدّ الأوزيريـون –إلى جانب معبد دندرة ووادي الملوك الأول– من أكثر المواقع التي يعتقد الباحثون أنها تحمل المفاتيح لفهم جوانب مجهولة من التاريخ المصري القديم.
فهي أماكن تضم نقوشًا ورموزًا يعتقد البعض أنها تخفي علومًا ومعارف تجاوزت الزمن، وربما تعكس مستوى حضاريًا لم تُكشف أبعاده بالكامل حتى اليوم.
