بقلم: المستشار الدكتور علاء بدير
تمثل آبار الدفن أحد أهم عناصر العمارة الجنائزية في مصر القديمة، وقد لعبت دورًا محوريًا في حماية الجسد ومتاع المتوفى، وفي الوقت نفسه عكست عمق المعتقدات التي ارتبطت بفكرة الخلود والبعث. ومع تطور الحضارة المصرية، تطورت هذه الآبار في الشكل والتصميم والوظيفة، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من فلسفة المصري القديم حول الموت والحياة الأخرى.
الوصف والهيكلية
■ الشكل والحجم
كان البئر المدفني يُنشأ على هيئة حفرة رأسية عميقة، غالبًا ما تكون ضيقة ذات مقطع مربع أو مستطيل، يتراوح عرضها بين 60 و120 سم، بينما يمكن أن تصل أعماقها إلى عدة أمتار، قد تتجاوز أحيانًا 11 مترًا وفق بعض النماذج المكتشفة.
■ التصميم
في نهاية البئر العمودية تُفتح عادة فتحة صغيرة تؤدي إلى غرفة الدفن.
هذه الغرفة قد تكون بسيطة تحتوي على التابوت فقط، وقد تتفرع إلى غرف جانبية متعددة تُغلق بإحكام لحفظ المتاع الجنائزي.
■ المواد المستخدمة
تُحفر الآبار غالبًا في الصخر مباشرة، وفي بعض الحالات تُبطَّن بالطوب اللبن أو الحجر بهدف تعزيز جدرانها ومنع انهيارها مع مرور الزمن.
الغرض والأهمية
■ الوصول إلى غرفة الدفن
لم تكن الآبار مجرد فتحة للنزول، بل كانت ممرًا سريًا يؤدي إلى حجرة الدفن السفلية، مما يصعّب على اللصوص الوصول إلى المحتويات الثمينة.
■ الحماية والسرية
بعد إيداع الجثمان والمتاع، كان يتم ردم البئر بالكامل بالتراب أو الطين الصخري الصلب.
وفي كثير من الأحيان تُنشأ “بئر كاذبة” أعلى البئر الحقيقية أو يُستخدم “باب وهمي” لإخفاء المدخل تمامًا، وهو أسلوب يبرز براعة المصريين في ابتكار طرق دفاعية معمارية.
■ الارتباط الديني
وفق العقيدة المصرية القديمة، تحتاج “الكا” – وهي الروح الحيوية – إلى العودة للجسد بانتظام.
لذلك جاء تصميم البئر الحقيقي والآخر الوهمي كطريقة لضمان مرور الروح بسهولة نحو الجسد المحنط في غرفة الدفن، مع الحفاظ على سرية المكان وحمايته من التدنيس.
التطور عبر العصور
بدأت المقابر في فجر الحضارة كحفر بسيطة في الأرض، ثم تطورت إلى مصاطب ضخمة، وصولاً إلى الأهرامات الملكية.
ورغم التغير الهائل في حجم وشكل العمارة الجنائزية، ظل البئر عنصرًا جوهريًا وثابتًا في التصميم، إذ مثّل الرابط الرئيسي بين العالم العلوي والحجرة السفلية التي تضم رحلة المتوفى إلى الأبدية.
بهذه البنية المعمارية المعقدة والدقيقة، لم تكن آبار الدفن مجرد ممرات حجرية، بل كانت تجسيدًا حيًا لعلوم المصريين وهندستهم وفلسفتهم العميقة حول سرّ الخلود.
