إعداد: عبدالحق عبده
يُعد الشعر الحلمنتيشي أحد الفنون الشعرية التي ظهرت في العصر الحديث، ويتميز بمزجه بين اللغة العربية الفصحى والعامية، مع اعتماده على روح الفكاهة والسخرية في تناول الموضوعات المختلفة. وقد انتشر هذا اللون الأدبي بصورة خاصة في مصر والسودان، حيث وجد قبولًا واسعًا بين القراء لما يحمله من خفة ظل وقدرة على نقد الواقع بأسلوب طريف.
ويرجع ظهور الشعر الحلمنتيشي إلى الشاعرين حسين شفيق المصري وبيرم التونسي، اللذين كان لهما دور بارز في تأسيس هذا الفن وتطويره. وقد ارتبطت تسمية “الحلمنتيشي” بفرقة “الحلمنتيش” التي اشتهرت بتقديم هذا النوع من الشعر الفكاهي، كما ألف حسين شفيق المصري ما عُرف بـ”المشعلقات” التي عارض بها المعلقات العربية الشهيرة في قالب ساخر.
حسين شفيق المصري رائد الشعر الحلمنتيشي
يُعد الشاعر حسين شفيق محمد نور، المعروف باسم حسين شفيق المصري، الرائد الأول للشعر الحلمنتيشي، حتى لُقِّب بـ”فارس الشعر الحلمنتيشي”. كما يُنسب إليه إطلاق اسم “الحلمنتيش” على هذا الفن وشعرائه.
وُلد حسين شفيق المصري عام 1882م وتوفي عام 1948م، وكان من أشهر الأدباء الظرفاء في عصره. وقد أسهم في إرساء قواعد الشعر الساخر الذي لا يزال يُنسب إليه حتى اليوم. ولم يتمكن من إكمال دراسته بسبب المرض، إلا أن ذلك لم يمنعه من ترك أثر أدبي بارز في مجال الشعر الفكاهي.
أبرز شعراء الحلمنتيش
من أشهر الشعراء الذين ساروا على نهج الشعر الحلمنتيشي:
- أحمد قنديل
- شوقي أبو ناجي
- عبدالعليم القياتي
- مصطفى رجب
- ياسر قطامش
خصائص الشعر الحلمنتيشي
يمتاز الشعر الحلمنتيشي بعدد من السمات، من أهمها:
- سهولة الألفاظ والمصطلحات المستخدمة، مما يجعل القصائد قريبة من عامة القراء.
- وضوح المعاني وبساطة الأسلوب.
- الابتعاد عن التفاخر والمبالغة التي كانت سائدة في بعض أغراض الشعر القديم.
- إعادة تقديم القصائد التراثية والمعاني القديمة بأسلوب عامي ساخر.
- الاعتماد على الفكاهة والسخرية في عرض الأفكار والقضايا المختلفة.
نماذج من الشعر الحلمنتيشي
ومن أشهر الأمثلة على هذا الفن ما قاله الشاعر ياسر قطامش في معارضة ساخرة لقصيدة “الأطلال”:
يا فؤادي لا تسل أين الجنية
إنها ماتت فقف وابكِ عليها
اسقني واشرب على أطلالها
قهوةً من أدمعي أو نسكافيه
كما يقول حسين شفيق المصري في إحدى قصائده من “المشعلقات”:
تلوح بها أقفاص عيشٍ مقدد
وقوفًا بها صحبي على هزازها
يقولون لا تقطع هزازك وابتعد
أنا الرجل الساهي الذي تعرفونه
حويط لحن العطفة المتبلد
وله أيضًا قوله:
ومن الخواجات تأخذ كل شيء
بأسعارٍ تجنننا جنونًا
فأبوا الفلوس وبالهنايا
وأبنا بالشقاء مكضمينا
كبائعة مصاغًا أو نجاسًا
يرن غطاء حلتها رنينًا
ولولا أن أوروبا علينا
لكنا قد مشينا عريانينا
ويظل الشعر الحلمنتيشي لونًا أدبيًا مميزًا يجمع بين الإبداع والمرح والنقد الاجتماعي، وقد استطاع أن يحافظ على حضوره في الأدب العربي الحديث بفضل ما يقدمه من معالجة ساخرة للقضايا المختلفة. وفي مقالات قادمة سنتناول عددًا من أبرز شعراء الحلمنتيش وأهم أعمالهم، ليزداد التعريف بهذا الفن لدى القراء والمهتمين بالأدب العربي.


