ليس فقط بسبب الواقعة ذاتها وما ارتكبه هذا الرجل، بل بسبب أسلوب المعاملة ومشهد إنساني مؤلم كشف إلى أي مدى قد تقسو القلوب حين تغيب الرحمة.نعم، قد يكون الرجل قد أخطأ، وإذا ثبتت عليه السرقة فليحاسبه القانون؛ فالخطأ لا يُبرر وحقوق الآخرين لا يُستهان بها. لكن هل أصبحت الحاجة ذريعة لإهدار الكرامة؟ وهل غدا العقاب مرادفًا للإذلال والقهر والتشهير؟كان يمكن لسؤال بسيط أن يغير المشهد: “ماذا تحتاج؟”كان بالإمكان أن تمتد يد العون بدلاً من بطش القسوة، وأن يُحاسب على خطئه دون أن يُجرّد من آدميته. وحتى لو كان قد أخذ طعامًا ليسد جوعه، فإن التعامل يجب أن يظل محكومًا بالقانون والإنسانية، لا بغريزة الانتقام واستعراض ضعف الآخرين.أنا لا أدافع عن الخطأ، بل أدافع عن الإنسان.هناك حد فاصل بين تطبيق القانون وبين كسر روح الإنسان وإهانته. فالشيء المسروق يُسترد أو يُعوض، أما الكرامة إذا أُهدرت فتترك جرحًا غائرًا لا يلتئم.والسؤال الحقيقي هنا ليس فقط: ماذا فعل هذا الرجل؟بل: ماذا فعلنا نحن أمام ضعفه؟ ماذا فعل من أهانه؟ ومن اعتدى عليه؟ ومن وقف يتفرج؟ وماذا فعل القادر على المساعدة حين اختار الصمت؟هل يستطيع أيٌّ منهم أن ينام قرير العين دون أن تطارده ملامح ذلك الرجل؟ وهل تفكّر أحدهم للحظة: ماذا لو كان هذا المنكسر أبي، أو أخي، أو ابني؟تقلبات الحياة لا تضمن لأحدٍ دوام القوة؛ وقد يأتي اليوم الذي نجد فيه أنفسنا في أشد دركات الضعف والاحتياج. وفي تلك اللحظة، لن نكون بحاجة لمن يزيد انكسارنا، بل لمن يمد يده ليأخذ بأيدينا.الرحمة ليست ضعفًا ولا تبريرًا للخطأ، بل هي أن تملك القدرة على القسوة وتختار ألا تقسو. وإذا وضع الله في طريقك إنسانًا ضعيفًا، فهذا ليس اختبارًا لضعفه، بل اختبار لمدى إنسانيتك أنت.حاسبوا المخطئ بالقانون واكفلوا الحقوق، لكن لا تجعلوا من العقاب ذريعة لسلب الإنسان كرامته. كلنا معرضون للتعثر، وكلنا قد نحتاج يومًا إلى يد تُمتد إلينا لا تُرفع ضدنا.إن أقسى ما في هذه الواقعة ليس ذنب رجل دفعته الحاجة للخطأ، بل مرأى إنسان يرى أخاه مكسورًا فيختار أن يمعن في كسره.لا تجعلوا من فقر الإنسان جريمة، ولا من ضعفه فرصة للإذلال.. حاسبوا على الخطأ، لكن لا تسرقوا من الإنسان إنسانيته.
بقلم: منى علواني
